حسن بن موسى القادري

359

شرح حكم الشيخ الأكبر

وقد تكون محبة العبد ذاتية خالية عن الغرض إذا اضمحلت خلقيتة في حقيته ، وحقا تكون محبة العبد محبة الحق تعالى ، وهي الحاصلة له في مقام بي يسمع ، وبي يبصر ، ويقال لها : محبة روحية ، فالمحبة ثابتة من الطرفين لكن وجهها من الآخر دوام الإمداد بالخيرات ، وهنا أبحاث لا تسعها العبارات ولا تؤدى بالرموز والإشارات . ولمّا كانت المحبّة ثابتة من طرف الرب والعبد ثبتت بها النسبة بينهما ، وارتبط كل منهما بالآخر ؛ لأنه لما أوجد الصور التي هي العالم روحانية كانت أو جسمانية في النفس الرحمني الذي هو هيولي العلم المذكور ، كما أن النفس الإنساني هيولي صور الحروف والكلمات والكلام ، فظهر سلطان النسب وهي الأسماء صحّ النسب الإلهي للعالم فانتسبوا إليه تعالى ، ويوم القيامة يأخذ الحق تعالى انتساب ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم إليهم ، ويردهم إلى انتسابهم إليه ، فلا يرون ذاتا إلا ذاته ، ولا صفاتا إلا صفاته ، ولا أفعالا إلا أفعاله ؛ إذ ليس ثمّة إلا الأحدية والهوية الغيبية وهي مقتضية لإسقاط النسب ، وبهذا قال الشيخ قدّس سره : سورة الإخلاص في بيان نسب الحق تعالى فإن المشركين قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنسب لنا ربك « 1 » » أي : بين نسبه فبين صلى اللّه عليه وسلم نسب تنزيهه عن النسب فأثبت له الأحدية ، ونفى عنه الكفاءة والوالدية والمولودية ، وقد علمت قبيل هذا غناءه وافتقاره إلى العالم وهما من نسب الحق ، فله النسب المتعددة والوجوه المختلف . 103 - المحبّة تصحيح النسب ، وثمرة المكتسب . فأشار الشيخ قدّس سره إلى ما مضى بقوله هذا : ( المحبّة تصحيح النسب ، وثمرة المكتسب ) أي : المحبة التي مفتاحها رأس الملك والملكوت هي التي تصحح نسب العبد والرب ؛ إذ بها ينسب العبد إلى الرب بالمخلوقية والمربوبية ، وينسب الرب إلى العبد بالخالقية والربوبية ، فإن منشأ الإيجاد المحبّة الذاتية فأفرد ذاته بقوله : اللَّهِ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] ، وأثبت استنادنا إليه في الوجود والكمالات الثابتة للوجود بقوله : اللَّهُ الصَّمَدُ [ الإخلاص : 2 ] ، فأحديته تعالى من حيث الأسماء الإلهية التي تطلبنا لنكون مجالي

--> ( 1 ) رواه الترمذي في السنن ( 5 / 451 ) ، الحاكم في المستدرك ( 2 / 589 ) ، الطبراني في المعجم الأوسط ( 6 / 25 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 2 / 531 ) .